هندسة النفوذ: كيف تُدار الصراعات العربية… ومن يدفع الثمن؟ (الحلقة الرابعة) ليبيا
ليبيا: الدولة التي لم يُسمح لها أن تقوم (الحلقة الرابعة)
في
ليبيا، لا تبدأ المشكلة من الفوضى…بل من كل محاولة
جادة لإنهائها.
كلما
اقترب الليبيون من تسوية، وكلما ظهرت فرصة لبناء مؤسسات حقيقية، حدث ما يعيد
البلاد خطوة إلى الوراء. كأن هناك يدًا غير مرئية تتدخل في اللحظة الأخيرة، لا
لتفجير المشهد دفعة واحدة، بل لإبقائه معلقًا، هشًّا، قابلًا للاشتعال في أي وقت.
من الثورة إلى الاستنزاف
بعد
سقوط النظام السابق، امتلكت ليبيا فرصة نادرة:
ثروة نفطية ضخمة , عدد سكان محدود , اهتمام دولي واسع
لكن
بدل أن تُستثمر هذه الفرصة في بناء دولة، جرى إغراق البلاد في مسارات متوازية من
الصراع:
- سلطات متعدّدة
- جيوش غير موحّدة
- قرار سياسي مُجزّأ
وهكذا،
تحوّلت الثورة من مشروع تغيير إلى حالة استنزاف طويل.
دعم العسكر… ضد السياسة
في
كل مرة برز مسار سياسي، أو محاولة لجمع الليبيين حول طاولة واحدة، كان يظهر خيار
آخر: دعم الحل العسكري ,,,تغليب
القوة على التوافق ,,,تصوير السياسة كضعف
بهذا
المنطق، لم تُمنح الدولة فرصة أن تُختبر، لأن العسكر كانوا دائمًا البديل الجاهز.
النفط…
الثروة التي تحوّلت إلى لعنة
في
ليبيا، النفط ليس مجرد مورد، بل سلاح:
- إغلاق الحقول كورقة ضغط
- التحكم في التصدير
- استخدام العائدات لشراء
الولاءات
لم
يعد النفط ملكًا للدولة، بل أداة تفاوض بيد من يسيطر ميدانيًا. وكلما طال الانقسام، طال العبث بهذه
الثروة.
المرتزقة… حين تُستورد الحرب
لم
تكتفِ ليبيا بخلافاتها الداخلية، بل أصبحت:
- ساحة لتجارب السلاح
- سوقًا مفتوحة للمرتزقة
- ميدان رسائل إقليمية ودولية
وجود
المرتزقة لم يكن عرضًا جانبيًا، بل جزءًا من معادلة منع الاستقرار. فالدولة لا تقوم بوجود جيوش لا تخضع
لها.
تعطيل
الانتخابات: الخوف من الصندوق
ربما
كان أكثر ما يكشف النوايا هو الخوف من الانتخابات فلما اقترب الليبيون من صندوق الاقتراع:
- ظهرت عراقيل قانونية
- تفجّرت أزمات أمنية
- تلاشت التوافقات
لأن
الصندوق يعني دولة، والدولة تعني نهاية الفوضى، والفوضى… ما زالت مربحة للبعض.
ليبيا كساحة لا كدولة
لم
تُعامل ليبيا كبلد يجب أن يستقر، بل كـ:
- ورقة ضغط
- مخزن طاقة
- بوابة هجرة
- ساحة نفوذ
وحين
تتحوّل الدولة إلى “وظيفة إقليمية”، يصبح قيامها خطرًا على من اعتادوا استغلالها.
المواطن
الليبي… الغائب الحاضر
وسط
كل هذا، ظل المواطن الليبي:
- بلا خدمات مستقرة
- بلا أمن دائم
- بلا أفق سياسي واضح
ليس
لأنه لا يريد الدولة، بل لأن مشروع الدولة أُجهِض مرارًا قبل أن يكتمل.
النمط
يتكرر
من
اليمن إلى السودان، ومن السودان إلى ليبيا، يظهر نمط واحد:
- إضعاف الدولة
- تضخيم الفاعلين غير الرسميين
- استخدام الاقتصاد والموارد
كسلاح
- منع الحسم وإطالة الصراع
الاختلاف
في العناوين، لكن المنهج واحد.
سؤال أخير
بعد
أكثر من عقد: هل فشلت ليبيا في بناء
الدولة؟
أم أن الدولة لم يُسمح لها أن تقوم أصلًا؟
ما
بعد ليبيا
ليبيا
ليست حالة استثنائية، بل حلقة في سلسلة.
وفي الحلقة القادمة، ننتقل إلى دولة أخرى :
كيف يُدار النفوذ بهدوء؟

التعليقات على الموضوع