اعلان واحد

هندسة النفوذ: كيف تُدار الصراعات العربية… ومن يدفع الثمن؟ (الحلقة الثانية)

 اليمن: المختبر الأول للفوضى المُدارة (الحلقة الثانية)

تنويه: هذا طرح تحليلي بهوية ثابتة، لا يستهدف أشخاصًا ولا جهات، ولا يندرج ضمن منطق الخصومة أو الاستهداف، ويُفضَّل ألا يُدرج كاتبه ضمن قوائم الأعداء أو الدوائر الساخنة، فهو أقرب إلى القراءة والتوثيق منه إلى الاشتباك، ناقلا عن وجهة نظر لبسطاء المجتمع مع احترام حق القارئ في الرأي والحكم.

لم يبدأ الأمر كفوضى.

هكذا يصرّ كثير من اليمنيين على تذكّر البدايات. وعود بالاستقرار، شعارات عن استعادة الدولة، وخطاب سياسي يُطمئن الناس أن ما يجري “مرحلة عابرة”. لكن السنوات مضت، وتحوّل المشهد من حرب واضحة المعالم إلى واقع أكثر التباسًا، حيث لا نصر يُحسم، ولا دولة تُستعاد، ولا سلام يلوح في الأفق.

الجنوب العربي صراع الامارات والسعودية

شيئًا فشيئًا، بدا أن اليمن لم يكن ساحة صراع فقط، بل مختبرًا لتجربة نمط جديد من إدارة الفوضى.

من دعم الدولة إلى إضعافها

في البدايات، قُدِّم التدخل الخارجي بوصفه شراكة لإنقاذ مؤسسات الدولة. غير أن ما جرى على الأرض رسم مسارًا مختلفًا:

  • قوى مسلحة تتشكّل خارج إطار المؤسسات الرسمية
  • تعدد مراكز القرار الأمني
  • شرعية تُستدعى عند الحاجة وتُهمَّش عند الاختلاف

وبمرور الوقت، لم تعد المشكلة غياب الدولة فحسب، بل وجود عوائق حقيقية تمنع عودتها.

شهادة من الهامش

خلال جلسة عابرة، حكى لي أحد البسطاء— ممن لا يظهرون في نشرات الأخبار— قصة لا تزال تتكرر بصيغ مختلفة في أكثر من مدينة جنوبية. قال بهدوء موجع:

كنا نعرف رجالًا عاشوا أعمارهم في المساجد. لا سلاح، لا انتماءات مسلحة، ولا خصومات. فجأة اختفوا. قيل لنا: ظروف أمنية، أخطاء، اشتباه… لكنهم لم يعودوا. قُتلوا بلا سبب نفهمه.”

هذه ليست رواية معركة، بل حكاية تصفية صامتة. أشخاص لم يكونوا جزءًا من صراع مسلح، سوى أنهم بقوا خارج منطق الاصطفاف.

الجنوب… حين يتحوّل الشعار إلى أداة

في الجنوب، رُفعت شعارات التحرير والأمن وبناء المستقبل. غير أن الواقع كشف مسارًا آخر:

  • انقسامات داخل القوى ذاتها
  • إقصاء أصوات رافضة أو متحفظة
  • خلافات سياسية تحوّلت إلى صراعات وجود

الأخطر لم يكن الخلاف، بل تطبيعه، وجعله جزءًا من “الضرورة الأمنية”.

تقارير صادمة

على مدى السنوات الماضية، تثبت الأيام والتقارير الحقوقية الدولية والمحلية إلى نمط متكرر:

  • احتجاز خارج إطار القانون
  • اخفاء قسري
  • اغتيالات لم يُفتح فيها تحقيق مستقل
  • غياب شبه كامل للمساءلة

هذه التقارير لا تتحدث عن حادثة واحدة، بل عن سياق عام، حيث يصبح الصمت جزءًا من إدارة المشهد.

المرتزقة… حين تُفوَّض الفوضى

في مراحل متعددة، ظهر دور شركات أمنية خاصة عملت خارج الأطر التقليدية:

  • مهام حساسة بلا تفويض واضح
  • تضارب في المسؤوليات
  • فضائح كشفتها صحافة دولية حول طبيعة الأدوار والتمويل

هنا، لم تعد المسؤولية مباشرة، بل مفوَّضة، ما يجعل المحاسبة شبه مستحيلة.

الاقتصاد: الجبهة التي لا تُرى

لم يكن السلاح وحده هو الأداة فلاقتصاد تحوّل إلى جبهة موازية:

  • تعطيل أو تحجيم دور الموانئ
  • تدمير طرق حيوية تربط المدن
  • خنق سلاسل الإمداد
  • تحويل الرواتب والخدمات إلى أوراق ضغط

حين يُنهك الاقتصاد، تُدار الحرب دون ضجيج، ويُستنزف المجتمع حتى يفقد قدرته على الاعتراض.

لماذا اليمن؟

لأن اليمن، ببساطة:

  • هشّ مؤسساتيًا
  • مثقل بالانقسامات
  • مُنهك تاريخيًا
  • ومهم جغرافيًا

كان المكان الأنسب لاختبار نموذج الفوضى التي لا تنفجر، بل تُدار وتُطيل عمر الصراع.

في الختام

وبعد سنوات من الحرب:

  • لا منتصر حقيقي
  • لا سلام
  • لا دولة

ويبقى السؤال معلقًا في أذهان اليمنيين:

هل كان الهدف إنهاء صراع… أم إبقاء اليمن ساحة مفتوحة تُدار أزماتها بلا نهاية واضحة؟

في الحلقة القادمة، ينتقل النموذج ذاته— مع اختلاف التفاصيل — إلى ساحة أخرى: السودان.

ليست هناك تعليقات