اعلان واحد

هندسة النفوذ: كيف تُدار الصراعات العربية… ومن يدفع الثمن؟ الحلقة السابعة مستقبل الامارات

 تنويه :في الأخير وللتكرار كانت حلقات هندسة النفوذ عبارة عن طرح تحليلي بهوية ثابتة، لا يستهدف أشخاصًا ولا جهات، ولا يندرج ضمن منطق الخصومة أو الاستهداف، ويُفضَّل ألا يُدرج كاتبه ضمن قوائم الأعداء أو الدوائر الساخنة، فهو أقرب إلى القراءة والتوثيق منه إلى الاشتباك، ناقلا عن وجهة نظر لبسطاء المجتمع مع احترام حق القارئ في الرأي والحكم. ولكم الشكر 

إلى أين يتجه النفوذ؟ سيناريوهات مستقبل الدور الإماراتي في المنطقة

لم يعد السؤال اليوم: هل تمدد النفوذ؟ بل: إلى أين سيصل؟ وبأي كلفة؟

بعد سنوات من الحضور المتزايد في ملفات اليمن، السودان، ليبيا، الصومال، ومناطق أخرى، بات الدور الإماراتي أحد أكثر الأدوار الإقليمية إثارة للجدل؛ ليس بسبب حجمه فقط، بل بسبب طبيعته غير التقليدية، التي تجمع بين الاقتصاد، والأمن، والسياسة، بعيدًا عن القوالب الكلاسيكية للدول.

من الدولة إلى الشبكة

لم تعد الإمارات تمارس نفوذها عبر الحكومات فقط، بل عبر:

  • شركات
  • موانئ
  • عقود طويلة الأمد
  • فاعلين محليين
  • قوى غير نظامية
    سيناريو مستقبل الامارات في المنطقة

هذا التحول من “الدولة” إلى “الشبكة” منحها مرونة عالية، لكنه في الوقت نفسه خلق هشاشة سياسية وأخلاقية في مناطق الصراع.

السيناريو الأول: ترسيخ النفوذ الواقعي

في هذا السيناريو، تستمر الإمارات في: إدارة الموانئ , التأثير غير المباشر , توظيف الاقتصاد كأداة نفوذ - مع تقليل الظهور الإعلامي، والاعتماد على وكلاء محليين.
هذا المسار قد ينجح على المدى القصير، لكنه يحمل خطر تحول النفوذ إلى عبء مع تغيّر المزاج الشعبي أو تبدّل التحالفات.

السيناريو الثاني: الارتداد الشعبي والسياسي

التاريخ يُظهر أن النفوذ الذي لا يراعي: حساسية المجتمعات - الذاكرة الجمعية - العدالة في توزيع المكاسب ينقلب عاجلًا أو آجلًا إلى رفض شعبي.
وفي حال تبلور هذا الرفض سياسيًا، قد تجد الإمارات نفسها أمام:

  • خسارة شركاء محليين
  • تشويه طويل الأمد للصورة
  • ملفات مفتوحة في المحافل الدولية

السيناريو الثالث: إعادة التموضع الذكي

وهو السيناريو الأقل كلفة والأكثر واقعية وهذا يتطلب:

  • مراجعة السياسات السابقة
  • الانتقال من إدارة الصراع إلى دعم الاستقرار
  • الاستثمار في الدولة لا في الفوضى
  • التعامل مع الشعوب لا مع النخب فقط

هذا المسار لا يعني التراجع، بل تحويل النفوذ من عبء إلى رصيد وهذا بحسب الرؤية الحالية لا يمكن تنفيذه حيث والاشارات والاعمال على الأرض عكس ذالك .

سيناريو الخطر: تآكل الصورة

الدول لا تُقاس فقط بما تملكه من أدوات، بل بما تتركه من أثر ومع تكرار الربط بين:

  • النفوذ
  • الصراعات
  • المليشيات
  • الاقتصاد الرمادي

قد تتحول الإمارات من “نموذج صاعد” إلى حالة إشكالية في الوعي العربي والإفريقي، وهو أخطر من أي خسارة مادية.

سؤال المستقبل

هل يمكن لدولة صغيرة جغرافيًا، كبيرة طموحًا، أن توازن بين:

  • الأمن
  • الاقتصاد
  • الأخلاق السياسية

دون أن تدفع ثمنًا مضاعفًا؟

الإجابة ليست محسومة، لكنها تُكتب الآن… في اليمن، والسودان، والصومال، وغيرها.

مستقبل الأدوات: من الوكيل المحلي إلى العبء الأمني

في اليمن، كما في غيره من الساحات، لم يكن النفوذ مباشرًا دائمًا، بل مرّ عبر أدوات محلية:
قوى مسلحة، شخصيات سياسية، شركات أمنية، وواجهات اقتصادية. هذه الأدوات أدّت أدوارها في لحظة معينة، لكنها مع تغيّر موازين القوة بدأت تواجه سؤالًا مصيريًا: ماذا بعد؟

من أداة إلى فائض قوة

حين تنتهي الحاجة السياسية أو العسكرية، تتحول الأداة إلى:

  • عبء أمني
  • مصدر إحراج سياسي
  • ملف قابل للتوظيف من أطراف أخرى

وهنا يظهر القلق الحقيقي لدى هذه الأدوات، خاصة بعد:

  • الطرد من مناطق النفوذ
  • تراجع الغطاء
  • انتقالها إلى عواصم داعمة بحثًا عن الحماية

الهروب لا يعني الأمان التاريخ القريب في المنطقة يُظهر أن انتقال الفاعلين المحليين إلى الخارج لا يضمن لهم:

  • الاستمرار
  • النفوذ
  • أو حتى السلامة السياسية

فمعرفة الأسرار، وطبيعة الأدوار التي أُدّيت، تجعل بعضهم عبئًا يجب تحييده سياسيًا على الأقل، إن لم يتم تفكيكه تدريجيًا عبر:

  • العزل
  • الإقصاء
  • أو الإذابة داخل المشهد العام دون ضجيج.

سرّ العلاقة غير المتكافئة

العلاقة بين الراعي والأداة غالبًا غير متكافئة:

  • الراعي يملك البدائل
  • الأداة تملك الملفات

وهذه المعادلة لا تنتهي عادةً بتفاهم، بل بتقاطع مصالح، حيث يسعى كل طرف لتقليل خسائره.

السؤال الأخطر

ماذا لو قررت هذه الأدوات:

  • الكلام؟
  • التحالف مع خصوم سابقين؟
  • أو التحول إلى عامل فوضى؟

هنا، يصبح الملف أمنيًا بامتياز، لا سياسيًا فقط.

درس يتكرر

ما يحدث اليوم مع بعض الأدوات اليمنية ليس استثناءً، بل نمطًا متكررًا في تاريخ إدارة الصراعات بالوكالة.
الأدوات تُستَخدم، ثم تُستبدَل، ثم تُنسى… أو تُغلَق ملفاتها بصمت.

الخاتمة العامة للسلسلة

لم تُكتب هذه السلسلة بدافع الخصومة، ولا بروح الاصطفاف، ولا بحثًا عن الإثارة.
كُتبت لأنها محاولة لفهم كيف تغيّر شكل النفوذ في منطقتنا، وكيف انتقل من الجيوش إلى العقود، ومن السياسة إلى الشركات، ومن الدولة إلى الشبكات.

من اليمن إلى السودان، ومن ليبيا إلى الصومال، لم تكن النتائج متطابقة، لكن النمط واحد:

  • دولة ضعيفة
  • موارد حساسة
  • أدوات محلية
  • تدخل خارجي بعنوان مختلف

وفي كل مرة، كان المواطن هو الخاسر الأكبر.

النفوذ ليس جريمة بحد ذاته، لكنه يصبح كذلك حين:

  • يُبنى على الفوضى
  • ويُدار دون مساءلة
  • ويُبرَّر باسم الاستقرار بينما يوسّع دائرة الألم

المستقبل لا يزال مفتوحًا على أكثر من احتمال:

  • مراجعة ذكية تعيد تصحيح المسار
  • أو استمرار يُراكم الأزمات
  • أو ارتداد يجعل النفوذ عبئًا على أصحابه

هذه السلسلة ليست حكمًا نهائيًا، بل وثيقة قراءة، وشهادة زمن، ومحاولة لأرشفة ما يجري قبل أن يُعاد تدويره بروايات أخرى.

ويبقى السؤال مفتوحًا، لا للإمارات وحدها، بل لكل الفاعلين الإقليميين:

هل يمكن صناعة نفوذ طويل الأمد دون كلفة أخلاقية؟
أم أن التاريخ سيعيد درسه القديم، بصيغة جديدة؟

انتهت السلسلة… لكن الأسئلة ما زالت في بدايتها.


ليست هناك تعليقات